الشيخ محمد رشيد رضا
83
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
نصيب الجنة ، وكان هذا التغيير مراتب لا يحصيها إلا اللّه فأرسل اللّه رسله وأنزل كتبه يذكر عباده بفطرته التي فطرهم عليها فعرف الموفقون الذين سبقت لهم من اللّه الحسنى صحة ما جاءت به الرسل ونزلت به الكتب بالفطرة الأولى فتوافق عندهم شرع اللّه ودينه الذي أرسل به رسله وفطرته التي فطرهم عليها فمنعتهم الشرعة المنزلة والفطرة المكملة ان تكتسب نفوسهم خبثا ونجاسة ودرنا يعلق بها ولا يفارقها ، بل كلما ألم بهم شئ من ذلك ومسهم طائف من الشيطان أغاروا عليه بالشرعة والفطرة فأزالوا موجبه وأثره وكمل لهم الرب تعالى ذلك بأقضية يقضيها لهم مما يحبون أو يكرهون تمحص عنهم تلك الآثار التي شوشت الفطرة ، فجاء مقتضى الرحمة فصادف مكانا قابلا مستعدا لها ليس فيه شيء يدافعه فقال ههنا أمرت وليس للّه سبحانه غرض في تعذيب عباده بغير موجب كما قال تعالى ( ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً ) واستمر الأشقياء مع تغيير الفطرة ونقلها مما خلقت عليه إلى ضده حتى استحكم الفساد وتم التغيير فاحتاجوا في إزالة ذلك إلى تغيير آخر وتطهير ينقلهم إلى الصحة حيث لم تنقلهم آيات اللّه المتلوة والمخلوقة وأقداره المحبوبة والمكروهة في هذه الدار ، فأتاح لهم آيات أخر وأقضية وعقوبات فوق التي كانت في الدنيا تستخرج ذلك الخبث والنجاسة التي لا تزول بغير النار ، فإذا زال موجب العذاب وسببه زال العذاب وبقي مقتضى الرحمة لا معارض له فان قيل : هذا حق ولكن سبب التعذيب لا يزول إلا إذا كان السبب عارضا كمعاصي الموحدين أما إذا كان لازما كالكفر والشرك فان أثره لا يزول . كما لا يزول السبب وقد أشار سبحانه إلى هذا المعنى بعينه في مواضع من كتابه * منها قوله تعالى ( وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ ) فهذا اخبار بأن نفوسهم وطبائعهم لا تقتضي غير الكفر والشرك وانها غير قابلة للايمان أصلا * ومنها قوله تعالى ( وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا ) فأخبر سبحانه ان ضلالهم وعماهم عن الهدى دائم لا يزول حتى مع معاينة الحقائق التي أخبرت بها الرسل وإذا كان العمى والضلال لا يفارقهم فان موجبه واثره ومقتضاه لا يفارقهم ، ومنها قوله تعالى ( وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ) وهذا يدل على أنه ليس فيهم خير يقتضي الرحمة ولو كان فيهم خير لما ضيع عليهم